سيد محمد طنطاوي

69

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( أَولَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ، ما خَلَقَ اللَّه السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وأَجَلٍ مُسَمًّى . . ) * لتوبيخ أولئك الكافرين الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ، وهم عن الآخرة هم غافلون ، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام . و * ( ما ) * في قوله * ( ما خَلَقَ ) * للنفي ، والباء في قوله * ( إِلَّا بِالْحَقِّ ) * للملابسة . وقوله : * ( وأَجَلٍ مُسَمًّى ) * معطوف على الحق . والمعنى : أبلغ الجهل بهؤلاء الكافرين ، أنهم اكتفوا بالانهماك في متع الحياة الدنيا ، ولم يتفكروا في أحوال أنفسهم وفي أطوار خلقها ، لأنهم لو تفكروا لعلموا وأيقنوا ، أن اللَّه - تعالى - : ما خلق السماوات والأرض وما بينهما ، إلا ملتبسة بالحق الذي لا يشوبه باطل ، وبالحكمة التي لا يحوم حولها عبث ، وقد قدر - سبحانه - لهذه المخلوقات جميعها أجلا معينا تنتهي عنده ، وهو وقت قيام الساعة ، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات . فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء الأشقياء ، غفلتهم عن الدار الآخرة وما فيها من حساب ، وتحضهم على التفكر في تكوين أنفسهم ، وفي ملكوت السماوات والأرض ، لأن هذا التفكر من شأنه أن يهدى إلى الحق ، كما تلفت أنظارهم إلى أن لهذا الكون كله نهاية ينتهى عندها ، وقت أن يأذن اللَّه - تعالى - بذلك ، وبقيام الساعة . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان موقف الأكثرية من الناس من قضية البعث والجزاء فقال : * ( وإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ ) * . أي : وإن كثيرا من الناس لفي انشغال تام بدنياهم عن آخرتهم ، ولا يؤمنون بما في الآخرة من حساب وثواب وعقاب ، بل يقولون : ما الحياة إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ، وعلى رأس هذا الصنف من الناس مشركو مكة الذين أرسل النبي صلى اللَّه عليه وسلم فيهم ، لإخراجهم من الظلمات إلى النور .